حبيب الله الهاشمي الخوئي

195

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وأمّا الباطن فليس على معنى الاستبطان في الأشياء بأن يغور فيها ، ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا كقول القائل أبطنته يعني خبرته وعلمت مكتوم سرّه ، والباطن منّا الغايب في الشيء المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى . ( و ) أمّا قوله ( دان ولم يدن ) فأراد به أنّه جزى العباد بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا ، ولم يجز ، أو أنّه حاسب ولم يحاسب ، أو أنّه استعلا عليهم ولم يستعل عليه ، أو أنّه تسلَّط على كلّ ما سواه ولم يسلَّط عليه ، أو أنّه ملك جميع الخلايق ولم يملك ، أو أنّه قهر الكلّ وغلبهم بافتقار الكلّ إليه واستغنائه عنهم ولم يقهر عليه . قال الرّضا عليه السّلام في الحديث الَّذى قدّمناه آنفا : وأما القاهر فانّه ليس على معنى علاج ونصب « وتصلَّب خ » واحتيال ومداراة ومكر كما يقهر العباد بعضهم بعضا والمقهور منهم يعود قاهرا والقاهر يكون مقهورا ، ولكن ذلك من اللَّه عزّ وجلّ على أنّ جميع ما خلق ملبس به الذّل لفاعله وقلَّة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون ، والقاهر منّا على ما ذكرت ووصفت فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى . ( لم يذرء الخلق باحتيال ) أي لم يخلقهم باستخراج وجوه الحيل وإجالة الرّأى والفكر في استخراجها كما هو شأن البشر في صنعهم ، وذلك لأنّ الفكرة والحركة القلبية مختصّة بذوي الضمائر ، وجلال الباري تعالى شأنه منزّه عنه وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . ( ولا استعان بهم لكلال ) أي لعجز واعياء ، لأنّ منشأ الاعياء تناهي القوّة الجسمية المخصوصة بذوي الأجسام ، وطلب العون والحاجة إلى المعين من ضعف القدرة ، وإذ لا ضعف ولا عجز لكمال ذاته سبحانه قوّة وقدرة فلا يتصوّر في حقه الاستعانة . ولما فرغ من تمجيد الحقّ المتعال بما هو أهله وتنزيهه عن صفات النقص